نحن نكتب وهم يكتبون
لنا القراء ولهم تركة الموج على
الشطآن.
ماذا يريد القراء؟
لغة الصحافة تقترب جدا من
الحياة اليومية، وتخاطب الانسان بمفردات يستعملها طيلة اليوم، وأهم مافيها أنّ
المعنى يصل القاريء دون صعوبة. وإن خرجت الصحافة عن هذه اللغة فقد رحلت الى صفحات
الادب وصنفت ضمن أوصافه. القاريء في الغالب يريد المعنى، يريد المعلومة.
فيما لغة الأدب قد تكون لغة
متخصصة يصعب من خلالها الوصول الى المعنى، لغة جميلة تعج بالتراكيب الصعبة
والمفردات الغريبة غير الشائعة ، لغة تخاطب الشعراء والنقاد ويلزمها أديب ليفهم
مراميها.
في عصر المعلومات لم يعد عند
أحد متسع من الوقت لتأمل الصور البلاغية الصعبة والتوريات المتراكبة و المفردات
المنحوتة من صخر اللغة. المهم الوصول إلى المعلومة، نحن نقرأ بوقت محسوب بالنقود
وبتكات ساعة العمر التي تؤشر في كل لحظة قصر ما تبقى لنا من الحياة ،
وعلينا ان نخرج بنتيجة مما
قرأنا. حتى الأديب اليوم لا يملك متسعا من الوقت للتأمل ، وأولئك الغارقون بتأملات
الكتابة لا يملكون الوقت في النهاية لإيصال تأملاتهم إلى القارئ فتبقى حبيسة صدورهم
.
لكن كل هذا لا يعني أن لغة
الصحافة لغة رخيصة، وهذا خطأ يقع فيه أغلب الوافدين إلى هذه المهنة الصعبة، فيسقطون
في فخاخ عدة منها : فخ الأخبار المترجمة التي توردها وكالات الأنباء ، فتلتبس عليهم
سلامة اللغة لسبب كثرة تكرار الخطأ ، وفخ قراءة الآداب المترجمة فينطبعون بأسلوب
الترجمة الذي تضعف فيه في الغالب عربية المترجم على حساب اللغة التي ينقل منها ،
وفخ عدم القراءة مطلقا ،
وقد قابلت عددا لا يستهان به من
الصحفيين الذين لا يقرأون، وبالتالي فهم في الحقيقة ليسوا سوى ناقلي أخبار يصلون
بها الى الناس.
سفر الشعر الجميل
الأدب الجميل أدب الصحافة هو
السهل الممتنع، هو أدب لا يتحدى القارئ في الوصول إلى المعنى، بل أدب يتسلل دافئا
لينا هينا الى قلبه ليضع المعنى في ضميره ووعيه دون أن يشعره بضآلته امام قدرات
الكاتب.
هو ما كتبه العراقي أحمد مطر
|
قلتُ للحاكمِ : هلْ
أنتَ الذي أنجبتنا ؟ |
|
قال : لا .. لستُ أنا
|
|
قلتُ : هلْ صيَّركَ
اللهُ إلهاً فوقنا ؟ |
|
قال : حاشا ربنا
|
|
قلتُ : هلْ نحنُ طلبنا
منكَ أنْ تحكمنا ؟ |
|
قال : كلا |
|
قلت : هلْ كانت لنا
عشرة أوطانٍ |
|
وفيها وطنٌ مُستعملٌ
زادَ عنْ حاجتنا |
|
فوهبنا لكَ هذا ا لوطنا
؟ |
|
قال : لم يحدثْ ، ولا
أحسبُ هذا مُمكنا |
|
قلتُ : هل أقرضتنا
شيئاً |
|
على أن تخسفَ الأرضَ
بنا |
|
إنْ لمْ نُسدد دَينَنَا
؟ |
|
قال : كلا |
|
قلتُ : مادمتَ إذن لستَ
إلهاً أو أبا |
|
أو حاكماً مُنتخبا
|
|
أو مالكاً أو دائناً
|
|
فلماذا لمْ تَزلْ يا
ابنَ ا لكذ ا تركبنا ؟؟ |
|
…
وانتهى الحُلمُ هنا |
|
أيقظتني طرقاتٌ فوقَ
بابي : |
|
افتحِ البابَ لنا يا
ابنَ ا لزنى |
|
افتحِ البابَ لنا
|
|
إنَّ في بيتكَ حُلماً
خائنا !!!!!!
|
هذا أحمد البسيط يوجز في سطور
نظرية سياسية كبرى، هويخاطب الحاكم ويخاطب المحكوم ويخاطب همما فترت ويلعن قوات
الامن وهي تدهم بيته فجر يوم كئيب
( وكل
الأيام مع الأمن كئيبة )...لا يتعب أحد في فهم معانيه ولا يحير أحد في شرح مفرداته
، ولا يتوارى النقد السياسي خلف غلالة حب خائف، ولا يرجع قارئه الى متن الاجرمية أو
ألفية ابن مالك للوصول الى موقع المفعول ، أهو مقدم أم متوار خلف فاعل لا يخجل من
العري؟
لا أخشى أن أعلن هذا شعرا
صحفيا، ولن يزري ذلك بعبقرية الشاعر البصري وهو ينهل من بحر ولا ينحت في صخر.
ولا يبتعد عملاق شعر الصحافة
مظفر النواب عن هذا الاسلوب، بل يقترب في بعض الاحيان لحد استعارة لغة الشارع حين
تعييه المعاني، ويترجم البلاغة العامية الجميلة احيانا الى بليغ الفصحى ليجعل
القاريء يحتار بين جمالين : جمال الصورة، وعمق المعنى البسيط كالماء
|
ما هذا الصمت المتحرك
بالشارع إلا إخصاء |
|
جئتك من كل منافي العمر
|
|
أنام على نفسي من تعبي
|
|
ما عدت أزور فنارا
|
|
البحر تخرب
|
|
يحتاج البحر إلى إصلاح
|
|
والغرق الآن هو الميناء
|
|
مازلت على طاولة الحانة
لست أعي |
|
إلا ثملي بالكون
|
|
فالبعض على طاولة أخرى
للسكر بدم المخلوقات |
|
أنا .... هذي طاولتي
|
|
يقرؤني من يرغب حسب
ثقافته في العشق |
|
وقد يخطئ لا أستاء
|
إنه لا يستحي أن يسمّي صمت
الناس اخصاء ( ورغم حدة الكلمة) فانها تقع مباشرة في قلب القاريء ليعود يقرأ بهدوء
ما قبلها،
إنه لا يستحي أن يعلن عشقه
للخمرة ما دامت طاولات الاخرين موائد سكر بدماء الآدميين، إنه لايستحي أن يعترف بان
قرائه هم طلبة في مدارس العشق.
إنه بسيط وقوي حين يقول أن
البحر تخرّب وهو يحتاج الى إصلاح، بهذه اللغة البسيطة يعلن "زعله " مع مرحلة كبرى
من عمره ومع عقيدة شردته في المنافي وحرمته من العراق الذي يحب، لكنه" زعل" وليس
قطيعة،
فالبحر يحتاج الى اصلاح،
والأصلاح لغة محب لا يروم الخراب.
أحلى معاني النثر
الروائي العراقي الكويتي
"اسماعيل فهد اسماعيل" وهو من ابناء البصرة عام 1940 وقد غادر العراق عام 1963 عقب
انقلاب 8 شباط الأسود ليصبح كويتيا وواحدا من الاف المبدعين المبعدين عن العراق.
كتب 22 رواية ومجموعة قصص ومن
حق البلدين ان يفتخرا بانتسابه لهما.
أقتطع
من قصته" النيل والفرات" :
(منذ زمن ليس بالبعيد حكم على
أحدهم، وكان هذا في دولة ليست مجاورة، بالإعدام كجزاء له على تآمره الهادف إلى
إسقاط السلطة.
وسواء كانت تلك السلطة شرعية أو
غير شرعية فإن واحدة من أضراس المحكوم عليه بدأت تؤرقه بألمها الشديد لليال سبع
سبقت تنفيذ الحكم، وبناء على ما تقتضيه مجريات العدالة الإنسانية جيء للمحكوم عليه
بطبيب أضراس ماهر، تولى أمر الضرس المنخور، وحشا
ثقبها بالرصاص قبل ساعة من تنفيذ الحكم رمياً... بالرصاص).
يبدأ إسماعيل قصته كما يبدا من
يكتب ادبا للأطفال، ويستمر بهذا المنهج فيما تسيل الدلالات من جمل معترضة وإشارات
قصيرة تنزع الغلالة عن تأريخ المنطقة التي تحكمها الديكتاتوريات .
ولا يخاف ان يمس السلطات
بصفتها غير الشرعية، لكنه يصدم القارئ بأن الم الضرس ينسي حتى المحكوم بالإعدام
مخاوفه ورعبه،
وبسخرية بسيطة يعلق على مقتضيات
العدالة الإنسانية التي تجيء للمحكوم بطبيب أسنان يحشو ضرسه بالرصاص ليتلقى المحكوم
بعد ساعة الرصاص بجسده فتغادره الروح وضرسه لا يؤلمه.
اللغة سهلة جدا ، بل يومية،
لكن المعاني جميلة تؤرق القارئ
وتوقد في داخله جذوة غضب وحنق من واقع الأمة الهزيلة ومن حكامها المتمسكين بالسلطة
حتى إذا احترقت البلاد وفنى الشعب عن بكرة أبيه .
ومثل أحمد مطر ومظفر النواب،
يكتب إسماعيل فهد إسماعيل بهاجس السياسة التي تجري في دماء العراقيين وتخرّب بيوتهم
منذ قرون.
أكبر الأدباء العرب في القرن
العشرين والحادي والعشرين، هو نجيب محفوظ، حتى إن لم يعجب ذلك كثير من الأدباء!
فقد اعترف العالم بهذه الحقيقة
ومنحه جائزة نوبل للآداب عام 1988 دون تردد ،
(ولا أجد علاقة بين منحه
الجائزة وبين زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى إسرائيل، ولا علاقة له
أيضا بسياسة التطبيع ، حيث لم يكتب محفوظ في اي من الشأنين وعلى من تخيلوا العلاقة
بين هذه الحقائق غير المترابطة مراجعة طبيب أمراض المؤامرة المتخصص بالزبائن العرب!
)
نجيب محفوظ كتب في "السراب" :
( وقد سمعت جدي يمازحني يوما
فيقول لي"
لقد جئت الى هذه الدنيا نتيجة
لحماقتي أنا دون سواي..."
ولكن ما أكثر الذين جاءوا هذه
الدنيا في اعقاب الحماقات.
ونشأت في بيت جدّي فلم اعرف
بيتا سواه، بل لم أعرف من الأهل غير جدّي وأمي، لأني حين أخذت أعي ما حولي كان أبي
قد استرد أخي وأختي، وكانت جدتي قد ماتت، ولم أعرف أن لي أبا الا بلسان
أمي ، وحديثها المفعم مرارة وحزنا، فنمت كراهيتي له على الأيام)
هذه الأسطر الخمسة تبدو لمن لا
يعرفها مقتطعة من جريدة يومية، أو ربما من رسالة أحد القراء . ولعلي إذا غامرت
واقتطعت من رواية السراب خمس صفحات وغيّرت اسماء الأبطال وبعض التفاصيل الصغيرة جدا
دون أن أغير الاسلوب وارسلتها بعنوان جديد وباسم كاتب غير معروف للنشر في احدى
مجلات الادب المتخصصة فإن الناشر لن يتكلف حتى مشقة الرد عليّ بل سيلقي بها الى سلة
المهملات باعتبارها محاولات مبتديء في الكتابة!
فناشروالادب يبحثون عن اسلوب
متين واناقة في اللغة وبلاغة في التعبير، والمسكين نجيب محفوظ لم يكن يمتلك أي من
هذه الصفات ( حسب رأيهم) رغم حقيقة أنه أول اديب عربي يفوز بجائزة نوبل للآداب على
مدى التأريخ،
ومن عجب ان أمة الشعر لم تشتمل
على شاعر استحق هذه الجائزة الكبرى!
في السطور الخمسة عرفنا الحقائق
التالية:
زواج والدة الراوي جاء بقرار
تعسفي من ابيها.
انجابها لهذا الإبن جاء برغبة
ملكية من ابيها.
هذه الحقيقة ليست استثناء وليست
حالة نادرة بل انها شائعة تماما.
كبر الراوي في بيت جده ولم يعرف
أبيه.
أمه طلقت من أبيه الذي انتزع
منها فيما بعد شقيق وشقيقة الراوي، أي أننا قد عرفنا ان الاسرة كانت من خمسة أشخاص.
ماتت جدة الراوي وهو صغير.
نشأ الراوي على كراهية أبيه
مكتسبا ذلك عن أمه.
كل ذلك لم يتعب القارئ البتة
ولم ينتزع منه لحظة تأمل بعيدا عن النص لالتقاط المعنى الرمزي والدلالات الخفية.
هذه شهادة أخرى في صالح صاحبة الجلالة (الصحافة) فمحفوظ الأعظم بين ادباء العرب هو
صحفي يختار السهل في اللغة لإيصال إبداعه.
وإذا امتلك الصحفيون بعض هذه
الأساليب وبعض لغة هؤلاء الكبار ، حاوروا أحاسيس قرائهم دون تعب وأوصلوهم المعلومة
التي يريدون .
"أما الزبد فيذهب جفاء"
في المقابل ( ولن أشير إلى أسماء لأني لا ابغي التجريح بل
سأقتطف نصوصا) فان لغة غريبة عجيبة تتساقط من المشرق
والمغرب على رأس القارئ
ليتجلى فيها غرور جهل الكاتب
بحقيقة بسيطة مفادها
"أين خلاصة الكلام؟":
(محكوما إذن بحسه الثقافي
الاستعلائي سيظل المشرق مدافعا عن سبقه الإبداعي، معتبرا ما يمور من آداب في أطراف
دار الإسلام الشاسعة مجرد تحققات ظلية لنواة أدبية صلبة تكمن إما في دمشق أو في
بغداد،
بل
وحتى شبه الجزيرة العربية، التي هي مسقط رأس الأدب العربي، ستغدو، بعد انتقال
الدولة العربية إلى الشام، فالعراق، محض طرف هامشي كبقية الأطراف الأخرى التي يكفي
شعراؤها أن يحوزوا فضل تقليد
أبي
نواس، وأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، والمعري، والشريف الرضي…
على أن المأزق الهوياتي للأدب
المغربي القديم لا يجد تفسيره ما عدا في عنصر الثنائي الجغرافي-الثقافي عن المركز
المشرقي، أي في الرمزية الروحية والمسافاتية التي تنطق بها تسمية (المغرب الأقصى)،
وإنما
كذلك في سوء نصيبه التجاوري، في كونه سينشأ ويتبلور قريبا من أدب أندلسي رفيع سوف
لن يتوانى، حتى في أحلك فترات الانحطاط السياسي بإسبانيا الإسلامية، عن احتواء وطمس
أغلب الالتماعات الأدبية المغربية في تلك العهود.
فبدلا
من أن يتحول الجوار مع أدب أندلسي، لا حدود لديناميته التعبيرية والتخييلية، حدث أن
أصبح عامل إعاقة وتثبيط للنشاطية الأدبية المغربية،
وحيال
مغرب إمبراطوري، قوي، ومشع، لم تكن الأندلس الآيلة إلى سقوطها التاريخي التراجيدي
تملك سوى اقتدارها الأدبي النادر. وحتى عندما اضطر الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين
إلى أسر الملك-الشاعر المعتمد بن عباد واقتياده إلى بادية مراكش، فإن باحثين مشارقة
عديدين سيختزلون سلوكا سياسيا كهذا في كونه تجليا ساطعا لنزعة الثأر الكامنة في
اللاوعي الجمعي المغربي، من التفوق الأدبي الأندلسي على مغرب فقير أدبيا ).
يجب ان اعترف انني عاجز عن
الكتابة بهذه الطريقة،
ويجب ان اعترف ايضا أنني لا
فهم كيف يتنقل الكاتب من الزمن الماضي الى المضارع
( وسمي
مضارعا لأنه يضارع الأسم بمصدره المؤول من أن والفعل) والى الزمن المستقبل.
ويجب أن اسأل باعلى صوتي من
أين جاء الكاتب بالإشتقاقات التالية؟
"الهوياتي ،التجاوري ،
المسافاتية ،النشاطية"
وأريد ان اعرف ببساطة (كما يريد
القارئ المتعجل الذي يهمه ان يعرف ما يجري في الأدب المغربي)
هل يدين الادب المغربي الى
المشرق، ام أن المشرق مهد الادب مدين للمغرب بفضائل ادبه؟
فوق ذلك فهذا المتأدب المغربي
ينكر أنّ العراق بلد الشعر ويدعي أن شعراءه يعيشون على مجد تقليد ابو نؤاس وأبي
تمام والمتنبي،
متجاهلا أن اهم أعمدة الشعر
العربي المعاصر عراقيون وشواهدهم البسيطة الجواهري الخالد
رغم كره العرب له لأنه لم يداهن
ملوكهم ودعاواهم القومية الباهتة الدموية،
وبدر شاكر السياب ونازك
الملائكة رائدا الشعر الحر ومدرسته الأولى ، والبياتي ، والنواب والصغير وبلند
الحيدري والقائمة لا تنتهي.
مملكة الرمال
وإن قصدنا شعرهم ، فيا لهول ما
نجد...
(من عناكب الأكواخ المائية
من أجنة النوارس العالقة في صدر السفينة
ومن اعالي الشجر
فيه أغيب
أرشفه نبيذا
وأغني عن الوادي
وعن زهرة نحيله)
عن اي شيء تتحدث الشاعرة؟
هذا غير أن نناقش موسيقى الشعر
التي تخجل أن تظهر ولا ادعي حديثا عن البحور فالقصة ستطول.
ويمضي شعراء المغرب في تحد صارخ
لذكاء القراء وفطنتهم، هل تراهنون على أنّ ما نكتبه شعرا؟
(حين مال على طوار النخيل
الليل و انتـعل العندليب الــقادم من تعب المـساءات جراحــه
خرجت عارية سوى من عباءة الحزن
أميرة الشطآن المغربية تمشي شوارعها الممــــتدة
في النوم حينا ،و حينا للوجع
المتطوح في هينماته تصغي و تعبد بالريح دربه نحو البـحر
حتى إن داهمتها وجوه الأحبة
ألقت بطراوة عنفها في "الماء الجديد" و سوت ما تبقـى من
الياسمين حلما بايع الموج فيه
طقوس الملك فاستوطن حنجرتي أنشودة رددتها الأصداف
التي نام على صدرها " رأس
الرمل" فهل الغزلان المهاجرة تعود يومـــا إلى وكرها)
هل الجراح نعل يضعه العندليب ؟
ولا أدري أن للغزلان اوكارا !
وكيف يصغي الانسان لهينمات (
ما هي الهينمات ؟) !!
الوجع المتطوح؟
وما هو الماء الجديد ؟( ربما
المقصود الماء الثقيل الذي تبرد به المفاعلات النووية!)
وكيف يستوطن الحلم حنجرة
الشاعر ويصبح وسادة لرأس الرمل؟
ما هو رأس الرمل؟
خلاصة الكلام، ماذا يقول
الشاعر؟
وهل هذا شعر أصلا؟ ومن منحه هذه
الصفة؟
وتحت عنوان "لم تقبليني في فمي"
كتب احدهم ( من المغاربة ايضا) قبل أربعة اعوام:
(في العاشرة مساء. يتسلل إلى
غرفتي شبح شرير وينام على سريري.
أقفز مذعورا وأتخبّأ خلف
الستائر. أرتعش وأبقى متيقّظا طوال الليل.
يؤلمني الضوء وأكتشف أنني…
صعدت إلى السماء ثمّ رجعْت. أكتشف أنّني ميّت يحمل زهرة ويضحك. يتفسّخ وجهي ولا
تذبل الوردة الحمراء.
أجلس على الهواء ولا أفكّر: من
جعل الأبدية رديئة هكذا؟ يأتي موتى طيّبون.
يجرّون خلفهم أعمارا من دخان.
كما يجرّ ريّاضيّ مستهتر شاحنة ثقيلة. ماذا يفعل هذا السرب من الأرواح عندي؟)
وكتب تحت السطور مطالبا بتعليق
القراء على "القصيدة" !
دلوني على القصيدة في هذا
الكلام وانا اكتب عشرة تعليقات إن شاء!
لا موسيقى هنا - والشعر هو أولا
موسيقى - ولا لغة تنساب كالماء
( ولا أعرف كيف اشتق الكاتب
الفعل "أتخبأ" وما معنى يتفسخ وجهي؟)، والأهم المعنى، أين المعنى؟
ماذا يريد الكاتب أن يقول؟
وما علاقة السطور بالعنوان" لم
تقبليني في فمي" ؟
هل هو حزين لأنها لم تقبله؟ هل
هو ممسوس لأنها لم تقبله؟
كيف يجر الرياضي المستهتر شاحنة
ثقيلة؟
( الكاتب ينظر الى برنامج
مسابقات الامريكي في التلفزيون ويكتب محاولات شعر عقيم).
شاعرة من جيل الثمانينات نشرت
دواوينها على الانترنيت لعل أحدا يبتلى بقرائتها فيتيه كما تاهت الكاتبة وهي تحاول
أن تصنع قصيدة من الشعر الحر دون أن تخرج قدر ما تستطيع
عن بحور الحر الخمسة:
"سارية خارج حرب الغبار
أتقرى دروب الغيم الوريفة
وامضي
أقرأ صمت الحلم
و أتعلم كيف اشحذ للغته الأتي
أوغل
نبض المتاهات الخلاقة دليلي
أحضنك، سلفا، أيها اللقاء
لن يوقف نزيف صعودي صقيع
ترى، هل أشبهك أيتها الريح؟
زنبقة هدي الأرض
وعلي أن اغزل مزهرية الكلام
لا منفذ
كالعطر، مسافرا في تيه السؤال"
سيل من الصور والتوريات
والتشبيهات والاستعارات المتراكبة لا يفضي الى معنى، يلهث القارئ خلف الصور ولا يجد
مآلا يقنعه بأنّ وقته الثمين الذي ينفقه في حل طلاسم ما مكتوب لم يذهب هباء.
المعنى هو المعلومة المهمة التي
تفيد الانسان ، فاذا غاب المعنى لا قيمة لكل الصور الجميلة ، فهي قبض ريح لن يغني
الذاكرة، وهو ترف لايملك اغلب القراء وقتا له.
اشدنا أول الكلام بصاحبة
الجلالة" الصحافة" في مملكتها المترامية عبر العالم ، هنا يكتب ملايين الناس عن
هموم الناس وليس عن مترف متشرد يقضي عشياته في حانات باريس ليعود الى مقاهي المغرب
وتونس جاهدا ليقنع القاريء أن هموم الحانة يمكن أن تصنع هموما كبرى،
والمضحك المبكي أنهم صاروا
يحاججون الصحافة في لغتها الرائقة الممتنعة وهم عيّ عن مجاراتها أو الغرف من
معينها.
الموضوع الجميل لا يحتاج الى
شرح أو مقدمة أو ناقد يبسط مفرداته للقارئ ، الموضوع الجميل يدخل وعي القارئ دون
إجازة ويتوطن في ضميره فلا ينفك عن قراءته حتى يأتي عليه .
ولكن الصحافة مريضة بداء
الطارئين عليها وهم فيض صعاليك يرومون فرصة عمل في دوامة العولمة التي خلقت ملايين
فرص العمل عبر العالم ،
غير أن ملايين المتظاهرين ضدها
من العاطلين الذين لا يملكون أدنى مؤهل أو موهبة لا يدركون ذلك .
بون / خريف 2009